ابن رشد
292
بداية المجتهد ونهاية المقتصد
إذا ادعى رجلان ولدا كان الولد بينهما ، وذلك إذا لم يكن لأحدهما فراش ، مثل أن يكون لقيطا ، أو كانت المرأة الواحدة لكل واحد منهما فراشا مثل الأمة أو الحرة يطؤها رجلان في طهر واحد ، وعند الجمهور من القائلين بهذا القول إنه يجوز أن يكون عندهم للابن الواحد أبوان فقط ، وقال محمد صاحب أبي حنيفة : يجوز أن يكون ابنا لثلاثة إن ادعوه ، وهذا كله تخليط وإبطال للمعقول والمنقول . وعمدة استدلال من قال بالقافة ما رواه مالك عن سليمان بن يسار أن عمر بن الخطاب كان يليط أولاد الجاهلية بمن استلاطهم : أي بمن ادعاهم في الاسلام فأتى رجلان كلاهما يدعي ولد امرأة ، فدعا قائفا فنظر إليه فقال القائف : لقد اشتركا فيه ، فضربه عمر بالدرة ، ثم دعا المرأة فقال : أخبريني بخبرك ، فقالت : كان هذا - لاحد الرجلين - يأتي في إبل لأهلها فلا يفارقها حتى يظن ونظن أنه قد استمر بها حمل ، ثم انصرف عنها فأهريقت عليه دما ، ثم خلف هذا عليها ، تعني الآخر . فلا أدري أيهما هو ، فكبر القائف ، فقال عمر للغلام : وال أيهما شئت . قالوا : فقضاء عمر بمحضر من الصحابة بالقافة من غير إنكار من واحد منهم هو كالاجماع . وهذا الحكم عند مالك إذا قضى القافة بالاشتراك أن يؤخر الصبي حتى يبلغ ، ويقال له : وال أيهما شئت ، ولا يلحق واحد باثنين ، وبه قال الشافعي ، وقال أبو ثور : يكون ابنا لهما إذا زعم القائف أنهما اشتركا فيه ، وعند مالك أنه ليس يكون ابنا للاثنين لقوله تعالى : * ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ) * واحتج القائلون بالقافة أيضا بحديث ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت : دخل رسول الله ( ص ) مسرورا تبرق أسارير وجهه فقال : ألم تسمعي ما قال محرز المدلجي لزيد وأسامة ورأي أقدامهما فقال : إن هذه الاقدام بعضها من بعض قالوا : وهذا مروي عن ابن عباس وعن أنس بن مالك ، ولا مخالف لهم من الصحابة . وأما الكوفيون فقالوا : الأصل أن لا يحكم لاحد المتنازعين في الولد إلا أن يكون هنالك فراش لقوله عليه الصلاة والسلام : الولد للفراش فإذا عدم الفراش أو اشتركا للفراش كان ذلك بينهما ، وكأنهم رأوا ذلك بنوة شرعية لا طبيعية ، فإنه ليس يلزم من قال : إنه لا يمكن أن يكون ابن واحد عن أبوين بالعقل أن لا يجوز وقوع ذلك في الشرع وروي مثل قولهم عن عمر ، ورواه عبد الرازق عن علي ، وقال الشافعي : لا يقبل في القافة إلا رجلان . وعن مالك في ذلك روايتان : إحداهما مثل قول الشافعي ، والثانية أنه يقبل قول قائف واحد . والقافة في المشهور عن مالك إنما يقضى بها في ملك اليمين فقط لا في النكاح ، وروى ابن وهب عنه مثل قول الشافعي ، وقال أبو عمر بن عبد البر : في هذا حديث